ابن بسام
214
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
[ فصل ] في ذكر الأديب الكاتب أبي عبد اللّه محمد بن الصباغ الصقلي [ 1 ] أحد أدباء وقته المشاهير ، وكلامه يعرب له عن أدب كثير ، وحفظ غزير . فصل له من رقعة خاطب بها الأديب أبا حفص القعيني الأندلسي يعزّيه في هرة نفقت له ، وجلس للعزاء عنها تماجنا ، قال فيه : [ الحياة ] لبني الدنيا مراحل ، والمنايا لجميعهم مناهل ، والأعمار كالأسفار ، منها القريب الوصول ، العاجل الحلول ، ومنها البعيد الشقّة ، الشديد المشقّة ، / أنفاس معدودة ، وآجال محدودة ، وليس بناج من محتومها أحد ، ولا لمخلوق منها ملتحد ، وانتهى إليّ - سهل [ 2 ] اللّه الصبر الجميل سبيلك ، وأطفأ ببرد السّلوان غليلك - نبأ جلل ، وخطب معضل ، وهو مصابك بشقيقة نفسك ، وموضع راحتك وأنسك ، وربيبة حجرك وحجرتك ، وآلة حيطتك [ 3 ] على حنطتك ، وكالئة ذخائرك وقنيتك ، واستحواذ فجيعتها على لبّك ، وما عالجتها به من ذرور وحنوط ، وإشفاقك من تعجيل إسلامها إلى التراب ، وإبقائك إياها طويلا في المحراب ، وأليّتك عليها لتدعونّ إلى [ 112 ] جنازتها مأتما يشققن عليها جيوب المدارع ، ويفضن من الوجد بها غروب المدامع ، ويعولن عليها بالصراخ والنياح ، ويذرين لمصرعها شعورهنّ مع الرياح . وفي فصل : ولست بناس ذكر تلك الملح التي كتبت تصف من أخلاقها وآدابها ، والمدح التي [ 4 ] تورد في أعراقها وأنسابها [ 5 ] ، والغرائب التي تذكر عن قوّتها وأيدها ، وحيلها وكيدها ، ومكرها بالفار وصيدها ، ولعمري ما أفرطت في نعتها بل فرّطت ، وما صرّحت بجميع محاسنها بل لوّحت ، فلقد كانت لبؤة إلّا أنها تدعى هرّة ، ونمرة إلّا أنها أكثر منها شرّة ، ذات ناب مطلول ، وساعد مفتول ، وخصر مجدول ، ريانة الكاهل ، ظمآنة الأسافل ، تطير من قوائمها بأسرع من الجناح ، وتستضيء من عينيها بأنور من المصباح ، وتعتدّ من مخالبها بأمضى من السلاح ، وتسطو من / جرأتها بمثل القدر
--> [ 1 ] لعله هو محمد بن أحمد بن عبد اللّه الصباغ الصقلي الذي وردت ترجمته في المحمدون : 68 نقلا عن الدرة الخطيرة لابن القطاع . [ 2 ] لعل الصواب : جعل . [ 3 ] ص : حمطتك . [ 4 ] ص : الذي . [ 5 ] ص : ونسبها .